
٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
رحلة العودة من العتمة
تُعدّ سيارة أستون مارتن دي بي 2 (Aston Martin DB2) موديل 1952 واحدة من أندر وأهم الجواهر الكلاسيكية في تاريخ السيارات في المملكة الأردنية الهاشمية. فهي ليست مجرد سيارة رياضية بريطانية نادرة، بل تُجسد البداية الحقيقية لشغف جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال بالسيارات ذات الأداء العالي، وتحمل في طياتها قصة ممتدة بين الشغف، الغياب لعقود، ثم العودة المجيدة.
البداية في المملكة المتحدة والشغف المبكر
تسلّم الملك الحسين بن طلال هذه السيارة في عام 1953 عندما كان يدرس في بريطانيا (في كلية ساندهيرست العسكرية ومدرسة هارو)، بالتزامن مع فترة تتويجه ملكاً على الأردن. تحمل السيارة رقم الشاسي الشهير LML/50/344، وكانت تُعبر عن ذوق رفيع واختيار دقيق؛ إذ جمعت بين التصميم الإيروديناميكي الأنيق والأداء الرياضي الذي ميز علامة أستون مارتن في خمسينيات القرن الماضي.
تشكل هذه السيارة محطة مفصلية في تاريخ الموكب الملكي، كونها أول سيارة رياضية دخلت المجموعة الملكية، وفتحت الباب أمام اقتناء العديد من الطرازات الرياضية والتاريخية النادرة في العقود التالية.
الهندسة والتصميم: أيقونة العصر الذهبي
ينبض قلب هذه السيارة بمحرك مستقيم مكون من 6 أسطوانات (Inline-6) بسعة 2.6 لتر من تصميم المهندس الشهير W.O. Bentley (مؤسس شركة بنتلي ومدير الهندسة في لاجوندا وأستون مارتن آنذاك). يولد المحرك قوة تتراوح بين 105 إلى 125 حصاناً، وهو ما كان يُعتبر أداءً استثنائياً وخارقاً بالنسبة لسيارات الطرق في تلك الحقبة.
أما من حيث التصميم، فتتألق السيارة بهيكل كوبيه (Coupé) باللون الأسود الملكي، وزجاج أمامي مقسم إلى جزأين، بالإضافة إلى الشبك الأمامي الكلاسيكي والعجلات السلكية المطليّة بالكروم مع الإطارات ذات الجدار الأبيض الناصع. ولم يُصنع من هذا الطراز سوى 309 نسخ حول العالم بين عامي 1950 و1953، مما يجعلها تحفة هندسية نادرة على المستوى العالمي.
رحلة الغياب والعودة إلى أحضان الوطن
شهدت هذه السيارة مساراً درامياً في تاريخها؛ ففي منتصف الخمسينيات، تم إهداؤها إلى الملك فيصل الثاني، ملك العراق. وبعد الأحداث السياسية التي شهدها العراق عام 1958، انقطعت أخبار السيارة وانتقلت ملكيتها عبر العديد من التجار والمجموعات الخاصة دون معرفة مكانها بدقة، لتختفي عن الأنظار لعقود ط ويلة.
ظلت السيارة غائبة حتى بداية التسعينيات، حين أثمرت الجهود والبحث الدقيق عن التعرف على مكانها واستعادتها مجدداً. وفي عام 1993، أُرْسِلَت السيارة خصيصاً إلى ورش الترميم التابعة لـ Aston Martin Works Service في المملكة المتحدة، حيث خضعت لعملية ترميم شاملة ودقيقة أعادت كل جزء فيها إلى حالته المصنعية الأصلية بالكامل بناءً على توجيهات الملك الحسين.
شاهد حيّ في متحف السيارات الملكي
عقب استعادتها وترميمها، عادت السيارة لتستقر في عمّان. ومع افتتاح متحف السيارات الملكي عام 2003، احتلت أستون مارتن DB2 موقعاً بارزاً ضمن المعروضات الدائمة للمتحف.
تستقبل السيارة زوار المتحف بحالتها الممتازة وأصالتها الكاملة، لتظل شاهداً حياً على حقبة ذهبية من تاريخ الأردن وعلى قصة سيارة استعادت مكانتها في ذاكرة الوطن بعد سنوات طويلة من الغياب.
البوم الصور |
