
١٨ آذار ٢٠٢٦
صياغة مغلوطة لخلق بلبلة عند الرأي العام
تُصدر الجهات الممثلة لتجار السيارات في المنطقة الحرة بين الحين والآخر إحصائيات تسلط الضوء على حركة إدخال المركبات إلى السوق المحلي الاردني
القراءة السطحية لأحدث البيانات الصادرة تُظهر انهياراً شبه تام في قطاع السيارات خلال النصف الأول من عام 2026. لكن التحليل العميق لهذه الأرقام، ووضعها في سياقها التشريعي والتجاري، يكشف عن صورة مغايرة تماماً، ويوضح كيف يمكن توظيف البيانات المجتزأة كأداة ضغط وتوجيه للرأي العام.
فجوة البيانات
التخليص الجمركي لا يعكس المبيعات الفعلية حيث يكمن الخلل الأساسي في الخلط المتعمد بين "التخليص الجمركي" والمبيعات الفعلية. الأرقام المنشورة في تقارير المنطقة الحرة تمثل حصراً عدد المركبات التي غادرت المنطقة الحرة بعد دفع رسومها الجمركية، ولا تعكس حجم المبيعات الفعلية.
الحقيقة أن السوق يمر حالياً بمرحلة استهلاك لمخزون هائل تم تكديسه مسبقاً، وحركة البيع داخل المعارض مستمرة وتستنزف هذا المخزون يومياً، مما يجعل الادعاء بتوقف السوق بناءً على أرقام التخليص فقط ادعاءً يفتقر إلى الدقة.
تشوه منحنى الطلب
شهدت الفترة التي سبقت القرارات الحكومية في بداية تشرين ثاني/نوفمبر الماضي موجة استثنائية وغير طبيعية من التخليص، حيث تم إدخال كميات ضخمة تفوق الطلب الحقيقي تحسباً للتغييرات الضريبية.
سجل عام 2025 أرقاماً قياسية وغير مسبوقة، بإجمالي يقرب من 46 الف مركبة كهربائية وما يصل الى36 الف مركبة هايبرد.
تركزت هذه الطفرة في شهر تشرين الأول، حيث تم التخليص على ما يقرب من 12.4 الف مركبة كهربائية وما يقرب من 17 الف مركبة هايبرد في شهر واحد فقط، وهو الشهر الذي سبق تطبيق القرارات الحكومية الجديدة
كنتيجة حتمية لهذا التخزين المسبق، انخفضت أرقام التخليص من كانون الثاني حتى أيار 2026 إلى 1,953 مركبة كهربائية و1,812 مركبة هايبرد.
استخدام هيئة مستثمري المنطقة الحرة الأرقام المنخفضة للأشهر الأولى من عام 2026 ومقارنتها بالوضع الاستثنائي لعام 2025 لا يعكس حقيقة السوق، بل يمثل محاولة واضحة لتضليل الرأي العام من خلال مقارنة تشوه مفتعل بوضع طبيعي يحاول تصحيح نفسه.

مقاومة التنظيم وصناعة الوهم
يتم توظيف لغة الأرقام المغلوطة هذه كأداة للضغط على صانع القرار، من خلال إيهام المجتمع بحالة من الركود العميق لدفع الحكومة للتراجع عن قراراتها التنظيمية، مع التعتيم على حقيقة أن المعارض التابعة لتجار المنطقة الحرة تبيع حالياً من مخزون 2025 الذي تم التخليص عليه بالنسب الضريبية القديمة.
واقع السوق: خيارات أفضل ومواصفات أعلى
الحقيقة التي يلمسها المواطن يومياً تختلف تماماً عن الرواية التي يحاول البعض تسويقها. فالسوق الأردني اليوم مليء بالسيارات، والمنافسة بين الوكلاء والمستوردين أسهمت في تقديم أسعار جذابة وعروض أفضل. الأهم من ذلك، بات المستهلك الأردني يحصل على سيارات مطابقة لأعلى المواصفات الإقليمية والدولية، معروفة المصدر، وتتمتع بضمانات حقيقية وخدمات ما بعد البيع وقطع غيار متوفرة، بدلاً من الترويج لسيارات مجهولة المواصفات لا تحقق متطلبات السلامة والجودة.
من المؤسف أن تتعامل بعض الأصوات مع موضوعات تتعلق بحماية المستهلك واصول يمتلكها أو يرغب بامتلاكها مثل السيارات وكأنها عقبة أمام الأعمال، وقد رأينا سابقا ما حصل لمئات أو حتى الالاف الموطنين الذين تعرضوا للخداع أو حتى الاذى بسيارات دفعوا اثمانا باهظة لها ولم يجدوا من يقف معهم جراء الجشع عند بعض التجار الذين كان هدفهم استيراد سيارات بأي شكل بدون اي ضمانات مصنعية أو حتى توفير خدمات ما بعد البيع تليق بالاموال التي دفعت من قبل المواطنين.
الأسواق الحديثة والمتطورة تقوم أساساً على الجودة، والشفا فية، والمساءلة، وليس على تعظيم الأرباح عبر استغلال الثغرات أو الالتفاف على التنظيم.
الاستمرار في نشر المقارنات المضللة لا يخدم القطاع الاستثماري ولا المستهلك. المطلوب اليوم البناء على ما تحقق من إصلاحات تصب في مصلحة الاقتصاد الوطني.
زمن تحقيق الأرباح السهلة على حساب الثقة وحماية المستهلك، وأي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء لن تغير حقيقة أن السوق المنظم هو الخيار الوحيد لمستقبل قطاع السيارات في الأردن.
العودة إلى الدور الحقيقي: إعادة التصدير!!
لقد حان الوقت لتعود المنطقة الحرة إلى جذورها والهدف الأساسي الذي أُسست من أجله، وهو أن تكون مركزاً إقليمياً ولوجستياً لإعادة التصدير، بدلاً من التركيز المطلق على إغراق السوق المحلي للالتفاف على التنظيمات. فالأرقام نفسها تثبت أن قطاع التصدير يمثل شرياناً حقيقياً ومستدام اً؛ حيث أظهرت الإحصائيات وصوله إلى ما يقرب من 80 الف مركبة مصدرة في عام 2025، وحفاظه على وتيرة نشطة بتصدير ما يزيد عن 14 الف مركبة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 رغم التغيرات المحلية
